توطئة
يـشكل الماء في المجال الواحي لفجيج أساس الوجود وشريان الحياة داخل منظومة بيئية هشة تقوم على توازن دقيق بين ندرة الموارد الطبيعية وبين التدبير الرشيد. فالموقع الجغرافي للواحة على تخوم المجال الصحراوي، وما يميزه من قحولة كبيرة وتردد مستمر للفترات الجافة، جعلا من الندرة المائية سمة ملازمة لهذا الوسط عبر الزمن. غير أن تفاقم أزمة الماء خلال العقود الأخيرة يطرح سؤالا إشكاليا يتجاوز التفسير المناخي المباشر، ويدعو إلى إعادة النظر في الطروح التي تختزل الوضع الراهن في الحتمية الطبيعية وحدها. إذ يكشف واقع الواحة اليوم عن تداخل معقد بين محددات مناخية طبيعية أسهمت في إنتاج واقع الندرة المائية وتحولات سوسيومجالية عميقة أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمورد المائي، وأفرزت سلوكيات استغلالية جديدة ساهمت بشكل ملموس في مفاقمة الإجهاد المائي. بناء على هذا الأساس، يسعى المقال إلى مقاربة سؤال الماء بواحة فجيج مقاربة نقدية توازن بين أثر التغايرية المناخية وبين مسؤولية السلوك البشري.
![]() |
| سؤال الماء في المجال الواحي لفجيج: بين الحتمية المناخية والسلوك البشري |
التغايرية المناخية وحدود التفسير الطبيعي
تندرج واحة فجيج ضمن نطاق مناخي قاحل إلى شديد القحولة سمته الأساسية العجز المائي الدائم المترتب عن عدم كفاية التساقطات لمواجهة شدة التبخر، إضافة إلى التردد المستمر للجفاف باعتباره ظاهرة بنيوية ذات بعد زمني تفيد انخفاض التساقطات عن المعدل لفترات ممتدة ومحدودة. هذا الإطار والواقع الهيدرومناخي يجعل الندرة المائية خاصية هيكلية في المجال الواحي، لا وضعا ظرفيا عابرا. فالسجل المناخي للمنطقة يظهر تعاقب فترات رطبة نسبيا محدودة مع فترات جافة، وهو ما ينعكس مباشرة على ضعف التغذية الطبيعية للموارد المائية السطحية والجوفية. بذلك، تبدو التغايرية المناخية عاملا مفسرا أساسيا للهشاشة المائية بالواحة، من حيث كونُها تفرض محدودية في العرض المائي وتبقي التوازن البيئي في حالة حساسة باستمرار.
إن الاكتفاء بالتفسير الطبيعي وحده يظل مقاربة ناقصة رغم أهميته، فالقحولة والجفاف وعدم انتظام التساقطات كما سلف وأشرنا هي عناصر هيكلية داخل المنظومة الطبيعية للواحة، وقد تعايش معها الإنسان المحلي لقرون طويلة دون أن تتحول الندرة إلى أزمة خانقة كما هو الشأن اليوم بل استطاع تدبيرها بحنكة تضمن استدامة الكتلة الحيوية واستمرار تواجده بهذا المجال. وهذا المعطى يفرض التمييز بين الندرة الطبيعية بوصفها خاصية مجالية، وبين الأزمة المائية بوصفها وضعًا مركبا ناتجا عن تفاعل الطبيعة مع أنماط التدبير والاستغلال. من هنا تظهر حدود الطرح القائم على الحتمية المناخية، والذي يميل إلى تفسير الوضع الراهن باعتباره نتيجة مباشرة للمناخ وحده، متغاضيا عن التحولات التي مست علاقة المجتمع بالماء.
إن القراءة النقدية للوضع المائي بفجيج تقتضي اعتبار العامل المناخي إطارا محددا، لكنه غير كاف وحده لتفسير مسار تفاقم الأزمة. فالمناخ ينتج واقع الهشاشة، لكنه لا يحدد بالضرورة مآلات التدبير. وبين الشرط الطبيعي وطريقة التعامل البشري تتحدد درجة المخاطر وحدّة الاختلال.
كيف نجحت النظم الواحية التقليدية في تدبير الندرة؟
رغم قساوة الظروف المناخية، لم تكن الندرة المائية في واحة فجيج تاريخيا مرادفة للأزمة، بل شكلت منطلقا لبناء منظومة تدبير محلية دقيقة قامت على الاستغلال المعقلن والتدبير الرشيد والضبط الاجتماعي. فقد راكم المجتمع الواحي عبر قرون معرفة مجالية عملية بخصائص بيئته الطبيعية، مكنته من تطوير أساليب هندسية وتنظيمية لتوزيع الماء تقوم على مبدأ المحافظة والاستغلال المعقلن لا على الاستهلاك المفتوح. وتجلت هذه المنظومة في شبكات الخطارات "إفلاون" والسواقي، ونظم التخزين (الصهاريج)، ووحدات القياس الزمنية لحصص السقي (الخروبة)، إلى جانب أعراف اجتماعية صارمة تضبط أدوار المستفيدين وتحدد الحقوق والواجبات، بما يضمن استمرارية المورد وعدالة توزيعه على قدر المنفعة. ولقد شكلت هذه الممارسات رصيدا من الدرايات المحلية المتميزة، حظي بتصنيفات دولية (الإسيسكو، SIPAM-FAO)
لقد كان الماء في هذا النظام موردا جماعيا تحكمه قواعد المنفعة المشتركة، لا منطق التملك الفردي. فحق الاستغلال كان مرتبطا بالحاجة والانتفاع والاكتفاء المعيشي، لا بالقدرة التقنية أو المالية على الاستخراج. كما أن الأولوية كانت تمنح للمجالات المسقية القائمة قبل الترخيص بأي توسع جديد. فقد علم إنسان الواحة من خلال معرفته ودرايته المعمقة بخصوصيات مجاله الطبيعي أن ما هو متاح من الموارد يكفي لما هو كائن بمنطق التوازن الذي يضمن الاستمرار، وهو ما يعكس وعيا مبكرا بمحدودية المخزون المائي وضرورة التكيف مع وضع الندرة. هذا النمط من التدبير لم يكن مؤسسا على معرفة علمية حديثة، بل على خبرة تراكمية وذاكرة بيئية جماعية، حولت الندرة من عنصر تهديد إلى عنصر منظم للسلوك والاستغلال.
تظهر هذه التجربة أن المجتمع الواحي لفجيج لم يستسلم للحتمية الطبيعية وما أفرزته من واقع هيدرومناخي، بل كان فاعلا متكيفا مع وضع الندرة، واستطاع عبر التنظيم الاجتماعي والتقني أن يجعل من الندرة أساسا لبناء قواعد الاستغلال والتدبير بغية تحقيق التوازن النسبي.
من التدبير الجماعي إلى الاستنزاف الفردي، كيف تغير ميزان العلاقة مع الماء؟
عرف المجال الواحي لفجيج خلال العقود الأخيرة تحولات سوسيومجالية عميقة أعادت تشكيل أنماط استغلال الموارد المائية، وأضعفت النظم التقليدية التي كانت تؤطر علاقتها بالمجتمع.
فمع تسارع مظاهر العصرنة، وتغير أنماط العيش والإنتاج، وتراجع سلطة الأعراف الاجتماعية المحلية المنظمة لتوزيع الماء، انتقل التدبير تدريجيا من منطق جماعي تضامني مشترك إلى منطق فرداني نفعي. هذا التحول لم يكن مجرد تغير تقني في وسائل الضخ والسقي، بل مس جوهر الثقافة المائية المحلية، حيث تراجعت قيم الترشيد والمحافظة والمراقبة الاجتماعية، في مقابل بروز سلوكيات استغلالية تقوم في أساسها على الضخ المفرط غير المعقلن.
وقد تجلى هذا التحول بشكل واضح في التوسعات الفلاحية الحديثة خارج المحاط التقليدي بما في ذلك منطقة العرجة وتسرفين وبركوس وبغداد وسيدي عبد القادر محمد، واعتماد الضخ بالضيعات الفلاحية عبر الآبار والثقوب المائية بمنطق القدرة على الاستخراج لا بمنطق الحاجة، على قدر المنفعة كما كان متعارفا عليه. ومع غياب التقنين الصارم لكميات الضخ، وضعف المراقبة، وانتشار الحفر غير المرخص، أصبح الوصول إلى الماء مرتبطا بالقدرة على الاستخراج لا بشرعية الحق في الانتفاع. وهكذا تحول المورد المائي من ثروة مشتركة إلى موضوع تنافس واستنزاف، مما أدى إلى تراجع مستويات الفرشة الجوفية، وارتفاع ملوحة المياه في بعض المجالات، وتدهور تدريجي في جودة التربة المسقية وما يترتب عن التمليح من تراجع وتقويض للإنتاجية وجودة المحاصيل، ولا سيما التمور التي تعتبر بمثابة العمود الفقري للزراعة المحلية.
إن ما يكشفه هذا المسير هو أن الأزمة المائية الراهنة لا ترتبط فقط بندرة طبيعية، بل أيضا باختلال في منظومة القيم والضوابط التي كانت تحكم الاستعمال. فحين تضعف قواعد التدبير الجماعي دون أن تعوض بإطار مؤسساتي فعال، يصبح المجال مفتوحا أمام الاستغلال الفرداني المفرط الذي يحول وضع الهشاشة إلى أزمة.
أزمة الماء كحصيلة تفاعل بين الضغط المناخي وتلاشي الارتباط بالنظم التقليدية والأعراف الاجتماعية
تكشف قراءة وضعية الماء في المجال الواحي لفجيج أن الأزمة الراهنة لا يمكن إرجاعها إلى عامل منفرد، بل هي نتيجة تفاعل مركب بين الواقع الهيدرومناخي الذي تفرزه الحتمية الطبيعية ثم السلوك البشري الناتج عن العصرنة. فالتغايرية المناخية، بما تفرضه من قحولة وعدم انتظام في التساقطات والتردد المستمر للفترات الجافة، تفرض نوعا من التحولات المجالية، وتجعل الموارد محدودة وقابلة للتأثر السريع بأي زيادة في الطلب. غير أن هذا المعطى الطبيعي، على أهميته، لا يتحول في حد ذاته إلى أزمة حادة إلا عندما يقترن بأنماط استغلال غير معقلنة وتوسع فلاحي غير مضبوط أساسه الربح المادي وآليات ضخ تتجاوز قدرة التجدد الطبيعي للفرشة المائية والمحافظة على عذوبة الماء.
لقد أظهر التاريخ الواحي لفجيج أن الندرة يمكن تدبيرها حين توجد قواعد وأعراف جماعية للضبط والتوزيع والرقابة تقوم في أساسها على المحافظة لضمان استدامة الموارد المائية باعتبارها شريان الحياة في هكذا مجالات من جهة وحق من حقوق الأجيال القادمة من جهة أخرى، وأن الهشاشة المناخية لا تعني بالضرورة الأزمة على مستوى الموارد. لكن حين تفككت منظومة التدبير التقليدي وتلاشى ارتباط الإنسان الفجيجي بالأعراف الاجتماعية لاستغلال الماء دون أن تستبدل بإطار تنظيمي فعال وملزِم يضمن الرقابة، أصبح الواقع المناخي يتضخم أثره بفعل السلوك البشري، وتحولت الندرة من خاصية مجالية يمكن تدبيرها والتكيف معها إلى أزمة بنيوية متصاعدة. وبهذا، فإن فهم سؤال الماء بالواحات يقتضي تجاوز التفسيرات الاختزالية، وبناء مقاربة مندمجة ترى في الأزمة نتاج علاقة بين الحتمية الطبيعية بدرجة أقل والسلوك البشري تجاه هذا المورد بدرجة أكبر.
خاتمة
يبرز تحليل سؤال الماء في المجال الواحي لفجيج أن الندرة ليست معطى جديدا، بل خاصية مجالية رافقت هذا الوسط القاحل عبر القرون، غير أن تحولها إلى أزمة حادة هو نتيجة مسار مركب تتداخل فيه المحددات المناخية مع السلوكيات البشرية. فالمناخ يجعل الموارد محدودة، لكنه لا يقيد أشكال استغلالها. وقد بينت التجربة الواحية التقليدية أن التكيف ممكن حين يقوم على المحافظة والترشيد والاستغلال على قدر المنفعة، بينما أظهر واقع الحال أن تفكك هذه المنظومة يفتح الباب أمام سلوكيات الاستغلال المفرط وغير المعقلن مما يضاعف أثر الإكراه الطبيعي.
المراجع
- بابا جواد، المحجوبي زكرياء، الحرادجي، عبد الرحمان؛ اسباعي عبد، القادر. (2025). التغايرية المناخية ودور السلوك البشري في مفاقمة أزمة الماء في الواحات – واحة فجيج (الجنوب الشرقي) نموذجا –. في اسباعي، عبد القادر؛ مواديلي، عمر (منسق). أعمال الندوة الدولية حول التغيرات المناخية والتكيف معها بين تحديات التنمية وتعزيز الصمود الترابي. كلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة محمد الأول وجدة. صص 482 _ 490.
- بابا، جواد. (2023). التنمية في مواجهة الإكراهات الجيوتقنية والبيئية بالمجال الواحي لفجيج، مذكرة نيل شهادة، جامعة محمد الأول. DOI: 10.13140/RG.2.2.32613.78565/1
- الحرادجي، عبد الرحمان. (يوليوز-غشت-شتنبر، 2024). الإشكالات المائية بالواحات المغربية وحيثيات حراك فجيج. فجيج صوت الجنوب الشرقي، 188، ص 32.
- BABA, J., El HARRADJI, A., & SBAI, A. (2024). La dégradation et la réduction de la capacité productive des sols des « palmeraies traditionnelles et des nouvelles extensions » dans l’oasis de Figuig, (pp. 250-255). Oujda.
- EL HARRADJI, A. (2007). La gestion des eaux et des sols dans l’oasis de Figuig, état des lieux et problématique de développement. Dans A. LAOUINA, Gestion conservatoire des eaux et des sols au Maroc (pp. 131-149). Rabat: Université Mohamed V.
- El Harradji, A., RODRIGUEZ, J.-E., & Sbai, A. (2016). Les inondations à Figuig : contexte hydro-géomorphologique, prévention et remèdes possibles. Géographie Du Maroc, 31(2).
