قلة مصادر المياه بمراعي الهضاب العليا (شرق المغرب): حتمية طبيعية أم إشكالية تدبير

بحث ميداني حول قلة مصادر المياه بمراعي الهضاب العليا شرق المغرب: تنظيم حركة رعاة بني ݣيل بين الإكراه الطبيعي وإشكالية صيانة نقط الماء.
مجلة سياقات جغرافية • العدد 01 د. عبد العزيز كربوب

باحث في الجغرافيا البشرية — كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول وجدة

د. محمد غزال

أستاذ التعليم العالي تخصص الجغرافيا البشرية — جامعة محمد الأول

شـكلت المياه، تاريخيا، عاملا حاسما في تنظيم المجال الرعوي بالهضاب العليا الشرقية المغربية، حيث ارتبطت وفرتها أو ندرتها ارتباطا وثيقا بأنماط التنقل الرعوي وحدوده ومساراته، وهي تنقلات يمكن التمييز بينها حسب مواقيتها من السنة، وحدودها المجالي الذي قد يتعدى حدود المجال الرعوي الحيوي للقبيلة، ويجبر الرحل على التنقل إلى مناطق أخرى حيث الوفرة. فالماء بهذه الأوساط، لا يمثل مجرد مورد طبيعي في بيئة شبه جافة، بل يعد عنصرا بنيويا متحكما وموجها لحركة القبائل الرعوية وقطعانهم، ومحددا لنظام وإيقاع ترحالها واستقرارها الموسمي.

قلة مصادر المياه بمراعي الهضاب العليا (شرق المغرب): حتمية طبيعية أم إشكالية تدبير
قلة مصادر المياه بمراعي الهضاب العليا (شرق المغرب): حتمية طبيعية أم إشكالية تدبير

ومن ثم، فإن تخصيص مصادر المياه بهذا المجال بالدراسة والبحث، تقتضي مساءلة العلاقة بين الإكراهات الطبيعية المرتبطة بندرة الموارد كحتمية طبيعية، وبين نظام تدبيرها في سياق تحولات مجالية واجتماعية واقتصادية متسارعة.

أولاً: حتمية طبيعية تعكس محدودية مصادر المياه

تشير جل المصادر التاريخية التي تناولت مراعي الهضاب العليا بالوصف، إلى القلة الشديدة التي تطبعها من حيث مصادر المياه، حيث اقترن وصف "الظهرة" في بعض الكتابات التاريخية بـ "الصحراء"، كما جاء على لسان الحسن بن محمد الوزان الفاسي في كتابه "وصف إفريقيا"، وهو وصف ارتبط بظروف مناخية وهيدرولوجية، تتسم بقحولة مناخها وندرة جريان أوديتها الموسمية القليلة.

بصفة عامة، فالهضاب العليا وحدة تضاريسية واسعة وممتدة وجد محددة، متميزة بطابع الانبساط الذي يطغى على بنيتها الطبوغرافية، تتخللها شطوط وضايات شكلت منذ القدم مصدرا أساسيا للماء بمجال رعوي شاسع، ألفت القبائل المستغلة له التنقل والترحال كنمط عيش، يعكس نوعا من التكيف مع ظروف الوسط ووفرة الماء والكلأ.

في هذا السياق، فسمة القلة التي تميز هذا الوسط شبه الجاف، دفعت القبائل الرحل منذ القدم، في سياق محاولة التكيف مع وضعية القلة، إلى اللجوء إلى استغلال مياه "الغدير" (Les rdirs/ghdirs) والضايات ( (les dayas/cuvettes naturelles fermées ) للتزود بمياه الشرب وتوريد قطعان الماشية خلال فترات التهاطل، بينما خلال فترات الحر، اهتدى الرحل إلى تجميع مياه الأمطار الجارية باعتماد تقنيات تقليدية بحفر على شكل آبار موصولة بخزانات تحت أرضية، والتي عُرفت بالعݣلة (Oglat)، كعݣلة أولاد إبراهيم بشط تيكري وعݣلة السدرة وغيرها.

استغلال مياه الغدير بمراعي الهضاب العليا قديمًا الخزانات الجوفية والعݣلة المنجزة بالهضاب العليا خلال سنوات الستينيات
الشكل 1: صور لمصادر المياه قديمًا كالغدير والخزانات الجوفية المنجزة خلال سنوات الستينيات

تبقى هذه المصادر المائية مؤقتة وغير دائمة، سرعان ما تجف وتضمحل بفعل شدة التبخر وقوة التسرب، أو تمتلئ بالترب بفعل الامتطاحات، فضلا عن ضغط تهافت الرحل عليها بقطعانهم، بل وتراجع دورها وتضاءل وجودها بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة بفعل الجفاف الحاد الذي تشهده المنطقة. وقد شكلت هذه المصادر، إلى جانب نقط الماء المستحدثة من آبار وأثقاب جوفية مجهزة وجبوب (مطفيات) وسدود تلية لاحقا، مصادر مياه ثابتة يعتمد عليها لضمان تلبية الحاجيات المائية للتزود بمياه الشرب وللتوريد.

نقط الماء والآبار المستحدثة بمراعي الهضاب العليا منشآت تجميع مياه الأمطار والجبوب بالمنخفضات المحاذية للهضاب العليا
الشكل 2: صور لبعض نقط الماء بالهضاب العليا والمنخفضات المحاذية لها

ثانياً: الماء كمحدد لمعالم تنظيم المجال الرعوي

في معرض الحديث، لا يمكن الاكتفاء بالقول بأن مصادر المياه مجرد عنصر بيئي ضمن المجال الرعوي، بل لا بد من التطرق الى الدور الذي تلعبه في تنظيم المجال، باعتبارها مثلت عاملا مركزيا لتنظيم الحركة المجالية للقبائل الرعوية وقطعانهم. فقد تحددت مسارات التنقل وفق مواقع النقط المائية وتوزيع المجالي، مما جعل الماء شرطا حاسما في تحديد مجالات الارتعاء.

وفي هذا الإطار، ظل بني ݣيل يتنقلون في مراعيهم قديما بين مناطق مفضلة كشط تيݣري من حيث وفرة المياه والأعشاب، ضمن تنقلات كانت تتم في فترات محددة، خاصة خلال فصل الربيع الذي كان يقود فيه البدو الرحل قطعانهم هناك، وأخرى يتعذر عبورها على القطعان في فترات الحر حيث ندرة المياه، وهو حال مجالات شاسعة بـ"الظهرة"، كتلك التي تمتد ما بين الشط الغربي وشط تيݣري، أو بين عݣلة السدرة وتندرارة شرقا ومعتركة غربا.

بدوره، يعد سهل تامللت، بالهوامش الجنوبية للهضاب العليا، من المراعي التي كان يرتادها بني ݣيل بكثرة، وذلك لما كانت تتوفر عليه من نباتات علفية غنية، تمتد بمجال سهلي منبسط وشاسع يسهل فيه تنقل القطعان. وبذلك، يمكن القول إن المجال الرعوي بالهضاب العليا ظل تاريخيا مجالا منظما حول الماء بشكل خاص.

ثالثاً: من الحتمية الطبيعية إلى إشكالية التدبير

لا يمكن اختزال وضعية قلة الموارد المائية التي تطبع الهضاب العليا كمعطى بنيوي يفسر فقط بالظروف الطبيعية وحدها، بل تبرز إشكالية التدبير كعنصر حاسم في تفسير هذه الوضعية، فإنجاز الآبار وتجهيزها يتطلب إيجاد آلية لتسييرها، وإقامة السدود التلية أو بناء الجبوب في حاجة إلى صيانة دورية لهذه المنشآت، مما يطرح إكراهات برزت كعامل حاسم يحدد فعالية هذه المنشآت ويضمن استدامتها.

ظل تدبير نقط الماء بهذا المجال الرعوي يتسم أحيانا بالعشوائية، سواء من حيث غياب الصيانة الدورية للتجهيزات أو تعرضها للسرقة، أو محدودية التنسيق بين الفاعلين وغيره. وهو الأمر الذي أضحى يشكل إكراها حقيقيا يفاقم من معاناة "الكسابة"، الذين أصبحوا ملزمين في بعض الحالات، بسبب الأعطاب التي تطال التجهيزات، إلى قطع مسافات طويلة قد تصل إلى 30 كلم أو أكثر للبحث عن نقطة أخرى لجلب الماء، وما يرافق ذلك من أعباء مالية مرتبطة بتكاليف النقل.

إن هذا الأمر، أضحى يشكل تحديا حقيقيا في وجه الجماعات الترابية، والتي ما فتئت تبحث عن حلول في علاقتها مع بعض الشركاء من مصالح عمومية وجمعيات المجتمع المدني وغيرهم، من أجل بلورة نموذج تدبير ناجع ومستدام يحقق تسييرا عاديا لنقط الماء المجهزة، ويضمن الحق في الماء.

وفي الأخير، يمكن القول إن وضعية قلة مصادر المياه ومحدوديتها بالهضاب العليا، معطى تركيبي يجمع بين المعطى الطبيعي والتدبير البشري، مما يفرض بشكل جدي، إعادة التفكير في مقاربات تدبير نقط الماء بهذا المجال الهش، من خلال اعتماد رؤية مجالية مندمجة، تأخذ بعين الاعتبار وضعية القلة التي تعاني منها المنطقة وقساوة الظروف المناخية المتسمة بالقحولة، مما يستدعي تثمين الموارد التقليدية، وضبط استغلال المياه الجوفية وحسن تدبيرها في إطار تشاركي فعال.

وبذلك، ففهم العلاقة بين الحتمية الطبيعية وإشكالية التدبير، يظل مدخلا أساسيا لتحليل وفهم أزمة الماء بالهضاب العليا، بل وشرطا ضروريا يضمن استدامة هذا المورد بهذه المجالات الهشة.

المراجع

  • الحرادجي، عبد الرحمان. (2003). الظهرة، معلمة المغرب، الجزء 7، مطابع سلا، المغرب، ص ص 5820-5821.
  • الحرادجي، عبد الرحمان. (2005). ملامح بيئة المغرب الشرقي تاريخيا: “الظهرة” و"الصحرة" بين القحولة والتصحر. في سلسلة الندوات والمناظرات رقم 9، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مركز الدراسات التاريخية والبيئية، الرباط، المغرب، ص ص 179‑193.
  • الفاسي، الحسن بن محمد الوزان. (1983). وصف إفريقيا (الطبعة الثانية، الجزء الثاني، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر). منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 382 ص.
  • كربوب، عبد العزيز. (2024). الموارد المائية بالهضاب العليا الشرقية المغربية وهوامشها: بين القلة وسوء التدبير (دراسة حالات) [أطروحة دكتوراه غير منشورة]. كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب، 476 ص.
  • كربوب، عبد العزيز، وغزال، محمد. (2024). نقط الماء بالمجالات الرعوية الجافة: بين الصراع حول البقاء وإشكالية التدبير -نماذج من الهضاب العليا-. مجلة الجيوماتيا وتدبير التراب، 1(1)، 141-154. https://doi.org/10.34874/PRSM.GGT-2024.V1.N1.2823
  • كربوب، عبد العزيز، وغزال، محمد. (2025). تقنيات تدبير الموارد المائية في المجالات الرعوية شبه الجافة: نموذج المطفيات بالهضاب العليا (المغرب الشرقي). ضمن كتاب جماعي حول تقنيات تدبير الموارد المائية في المغرب وآليات التكيف، ص ص 135–143.
  • El Harradji, A. (1997). Aménagement, érosion et désertification sur les Hauts-Plateaux du Maroc oriental. Méditerranée, 86(1), 15–23.
  • Jungfer, E. (1984). Problèmes hydro-géographiques d’une zone de steppe aride : manque d’eau et sécheresse au Maroc oriental. Méditerranée, 52(3), 17–26.
  • Karboub, A., Ghzal, M., Sbai, A., & Mouadili, O. (2025). Study of the impact of drought on the runoff system and the dam on Oued Za using remote sensing techniques (Eastern Morocco). E3S Web of Conferences, 607, Article 04016. https://doi.org/10.1051/e3sconf/202560704016

مجلة سياقات جغرافية - العدد 01.pdf تحميل العدد كاملاً بصيغة PDF

إرسال تعليق