أزمة المياه في المغرب بين الندرة وسوء التدبير

دراسة حول أزمة المياه في المغرب وأسباب تفاقم الإجهاد المائي بين التغير المناخي وسوء التدبير واستنزاف الفرشات وتحديات حكامة الأمن المائي.
مجلة سياقات جغرافية • العدد 01 د. محمد غزال

أستاذ التعليم العالي تخصص الجغرافيا البشرية — جامعة محمد الأول

يـواجه المغرب تحدياً مائياً حقيقياً يهدد مستقبله التنموي والاجتماعي، نتيجة تضافر عدة عوامل مناخية وبشرية وهيكلية. فقد أظهرت دراسات وتقارير وطنية ودولية أن المغرب يعد من بين البلدان الأكثر عرضة لآثار التغيرات المناخية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فارتفاع درجات الحرارة وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة سيؤديان إلى تفاقم الضغوط على الموارد المائية. وتستند توقعات المناخ إلى سيناريوهات أعدها الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC)، حيث يُظهر سيناريو عدم التخفيف (A2) ارتفاعًا مستمرًا في درجات الحرارة خلال القرن الحالي، ويؤكد التقرير أن البلدان النامية ستكون الأكثر تضررًا من التغير المناخي، رغم أنها الأقل مساهمة في الانبعاثات. كما أن الفئات الفقيرة هي الأقل قدرة على التكيف مع الصدمات المناخية، مما يعمق الفوارق الاجتماعية.

أزمة المياه بالغرب بين الندرة وسوء التدبير - محمد غزال
أزمة المياه بالغرب بين الندرة وسوء التدبير - محمد غزال

إن أزمة المياه هي في جوهرها أزمة حكامة وعدالة، وليست مجرد أزمة موارد أو مشكلة بيئية، بل أصبحت قضية تنموية وإنسانية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنمية البشرية، ومحاربة الفقر، وتحقيق العدالة بين الأجيال. فالمياه مورد أساسي للحياة وللإنتاج الزراعي والصناعي، غير أن سوء تدبيرها وتزايد الضغط عليها قد يجعل البلاد تدخل مرحلة “الإجهاد المائي”.

أولاً: أسباب تفاقم أزمة الماء

يُعدّ المغرب من الدول التي تواجه تحديات مائية حقيقية، رغم اعتماده المبكر على سياسة بناء السدود. ويرجع ذلك إلى طبيعة مناخه وتوزيع تساقطاته.

تشكل المناطق الجافة والصحراوية حوالي 79% من التراب الوطني، بينما تمثل المناطق شبه الجافة حوالي 14%، ولا تتجاوز المناطق شبه الرطبة والرطبة 7%. ويبلغ متوسط التساقطات المطرية حوالي 340 ملم سنويًا، لكنها تتوزع بشكل غير منتظم، حيث تتركز 50% منها في 15% فقط من المساحة الإجمالية للبلاد.

تصل الحصيلة الإجمالية للأمطار إلى حوالي 150 مليار متر مكعب سنويًا، يتبخر منها حوالي 80%، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين الجريان السطحي والتسرب نحو الفرشات الجوفية. وتقدر الموارد القابلة للتعبئة بحوالي 30 مليار متر مكعب، لكن المياه المعبأة فعليًا لا تتجاوز 20 مليار متر مكعب سنويًا.

رغم وجود حوالي 139 سدًا كبيرًا، فإن القدرة التخزينية تبقى محدودة مقارنة بحجم الحاجيات المتزايدة، كما أن جزءًا مهمًا من المياه يضيع في البحر دون استغلال.

كما ان أزمة الماء في المغرب فقط بالتغيرات المناخية، بل تعود أيضاً إلى سوء التدبير والهدر في مختلف الاستعمالات. فالقطاع الفلاحي يستهلك الحصة الأكبر من الموارد المائية، إذ استفاد خلال إحدى الفترات من حوالي 13.9 مليار متر مكعب، مقابل مليار متر مكعب للاستعمال المنزلي و395 مليون متر مكعب للاستعمال الصناعي. وفي المقابل، لا يتجاوز المخزون المائي الإجمالي حوالي 13.6 مليار متر مكعب، مما يسجل عجزاً يفوق ملياري متر مكعب. وسجلت بذلك اغلبية الفرشات المائية استنزافا خطيرا، إذ انخفض منسوبها بحوالي 64 متراً في منطقة سايس خلال 26 سنة، وبأكثر من 20 متراً في منطقة سوس خلال 34 سنة. ويضاف إلى ذلك ضياع كميات هامة من المياه بسبب التبخر أو تصريفها في البحر، فضلاً عن التسربات في شبكات التوزيع التي تؤدي إلى فقدان نسبة مهمة من المياه.

ومن العوامل الأخرى المساهمة في تفاقم الأزمة: النمو الديمغرافي المتزايد، التوسع العمراني، التصنيع، وتلوث الموارد المائية السطحية والجوفية. وتشير التوقعات إلى أن الطلب على الماء سيرتفع إلى أكثر من 19 مليار متر مكعب، مع احتمال تفاقم العجز المائي مستقبلاً.

ثانياً: تراجع حصة الفرد من الماء

عكست كل المؤشرات الدولية خطورة الوضع المائي بالمغرب، إذ تراجعت حصة الفرد من الماء من حوالي 2500 متر مكعب سنوياً في ستينيات القرن الماضي إلى حوالي 600 متراً مكعباً حالياً، مع توقع انخفاضها إلى 500 متر مكعب في المستقبل القريب. ويصنف هذا المستوى ضمن عتبة الندرة المائية الحادة حسب المعايير الدولية. كما تفيد تقارير الأمم المتحدة بأن المغرب من بين الدول التي تعاني من موارد مائية محدودة، حيث إن 80% من الموارد المتاحة قابلة للاستغلال تقنياً واقتصادياً، ما يعني أن هامش التوسع أصبح ضيقاً. كما تقدر نسبة ضياع المياه بحوالي 35% في المتوسط، نتيجة ضعف النجاعة في شبكات التوزيع وغياب المعالجة الكافية للمياه العادمة.

ثالثاً: إشكالية التلوث وتدهور جودة المياه

إلى جانب الندرة الكمية، يواجه المغرب تحدياً مرتبطاً بتدهور جودة المياه. فالتوسع الحضري غير المنظم يؤدي إلى طرح المياه العادمة المنزلية والصناعية في الأودية دون معالجة.

كما يشكل التلوث بالنترات خطراً حقيقياً، خاصة في المناطق الفلاحية المسقية، حيث يتجاوز تركيز النترات في بعض الفرشات الباطنية الحد المسموح به (50 ملغ/لتر). وتسجل حوالي 10% من مساحة الفرشات الرئيسية تركيزاً يفوق هذا الحد، بينما تتراوح النسبة بين 25 و50 ملغ/لتر في حوالي 20% من المساحة. ويرتبط هذا الوضع بالاستخدام المكثف للأسمدة والمبيدات الزراعية، ما يهدد صحة السكان وجودة المياه الصالحة للشرب.

رابعاً: ضياع الموارد بسبب توحل السدود وضعف الصيانة

يعرف المغرب ضياع ما يزيد عن 70 مليون متر مكعب سنوياً من سعة تخزين السدود بسبب توحلها وعدم صيانتها المنتظمة. كما أن مردودية شبكات توزيع الماء الصالح للشرب لا تتعدى 70%، بينما لا تتجاوز مردودية شبكات مياه الري 60%. وقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة أكثر من 20 فترة جفاف استثنائية، بلغ فيها عجز التساقطات أكثر من 40% وعجز الموارد السطحية أكثر من 60%.

خامساً: آفاق وتوصيات لمواجهة أزمة الماء

أصبحت أزمة الماء في المغرب والعالم تتطلب مقاربة شمولية تقوم على الاستدامة والحكامة الجيدة. ومن بين الإجراءات الضرورية:

  1. ترشيد الاستهلاك خاصة في القطاع الفلاحي عبر اعتماد تقنيات الري الحديثة (كالري بالتنقيط).
  2. حماية الموارد من التلوث من خلال معالجة المياه العادمة ومراقبة الأنشطة الصناعية.
  3. تنويع مصادر المياه عبر تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة.
  4. تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الاقتصاد في الماء.
  5. تحسين الحكامة والتخطيط المجالي بما يراعي العدالة بين الأجيال.

إن استمرار الاستنزاف الحالي للموارد المائية سيؤدي إلى تفاقم الأزمات البيئية والاجتماعية والاقتصادية. لذلك فإن تدبير الماء لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا يحدد مستقبل التنمية.

وخلاصة القول، إن ندرة المياه تمثل تحديًا عالميًا حقيقيًا، غير أن حدتها تختلف حسب الظروف الطبيعية ومستوى الحكامة. وفي حالة المغرب، فإن التحدي يكمن في تحقيق توازن بين تلبية الحاجيات المتزايدة والحفاظ على استدامة الموارد، لضمان حق الأجيال القادمة في هذا المورد الحيوي.

خاتمة

يتبين من خلال المعطيات المتوفرة أن المغرب يعيش وضعية مائية تتراوح بين المتوسطة والحرجة، في ظل تزايد الطلب، تراجع الموارد، تلوث المياه، وضعف مردودية الشبكات. وإذا لم تُتخذ إجراءات أكثر صرامة في مجال ترشيد الاستهلاك، وتحديث أنظمة الري، ومعالجة المياه العادمة، وتعزيز الوعي البيئي، فإن أزمة الماء قد تتحول إلى عائق حقيقي أمام التنمية المستدامة.

وعليه، فإن ضمان الأمن المائي بالمغرب يقتضي تبني مقاربة شمولية تجمع بين الحكامة الجيدة، الاستثمار في التقنيات الحديثة، حماية الموارد من التلوث، وإشراك المواطنين في ثقافة اقتصاد الماء، حتى تبقى هذه الثروة الحيوية ركيزة أساسية لمستقبل البلاد.

المراجع

  • Conseil Supérieur de l’Eau et du Climat - 10ème Session - Plan National de l’Eau, Rapport général, juillet, 2015, 133p.
  • Conseil Economique, Social et Environnemental, 2014. La gouvernance par la gestion intégrée des ressources en eau au Maroc : Levier fondamental de développement durable, Auto-Saisine n° 15, www.cese.ma
  • De l’eau : www.gwptoolbox.org
  • Fanack Water : water.fanack.com
  • Water Resources in Morocco : water.fanack.com/ar/morocco
  • Office International de l’Eau : www.oieau.org
  • Partenariat mondial de l’eau : www.gwp.org
  • WORLD RESOURCES INSTITUTE : www.wri.org

مجلة سياقات جغرافية - العدد 01.pdf تحميل العدد كاملاً بصيغة PDF

إرسال تعليق