الموارد المائية بالمغرب الشرقي
يـتميز المغرب الشرقي بخصائص هيدرولوجية ومناخية معقدة تجعل من موارده المائية عنصراً استراتيجياً شديد الحساسية. ينتمي هذا المجال جغرافياً إلى نطاق قاحل وشبه قاحل، حيث تتسم التساقطات بعدم الانتظام في الزمان والمكان. ففي حين تتلقى المناطق الشمالية والجبلية (الريف الشرقي، بني يزناسن) تساقطات تتجاوز 300 ملم سنوياً، تنخفض هذه الكمية بشكل حاد كلما اتجهنا جنوباً نحو الهضاب العليا والمجالات الصحراوية لتتراوح بين 100 و200 ملم (تافيلالت-فجيج-بوعرفة).
![]() |
| دينامية الموارد المائية والتدهور البيئي بالمغرب الشرقي - مواديلي عمر |
يشكل واد ملوية الشريان الهيدرولوجي للمغرب الشرقي، بمتوسط تدفق يقدر بمليار متر مكعب سنوياً، إلا أنه غير منتظم يتأثر بفصول السنة. ولضبط هذا المورد، يعتمد المغرب الشرقي على بنية تحتية مائية تتمثل أساساً في سدي "محمد الخامس" و"مشرع حمادي"، وسد "لغراس" (الحسن الثاني) على واد زا، لضمان مياه السقي والماء الصالح للشرب. وإلى جانب المياه السطحية، تزخر الجهة بفرشات مائية جوفية حيوية (مثل فرشة عين بني مطهر، الحويطة-تندرارة، وسهل تامللت)، إلا أنها تواجه ضغطاً متزايداً نتيجة توالي سنوات الجفاف والاستغلال المفرط، مما يهدد استدامتها خاصة في الواحات الجنوبية (تافيلالت) التي يعتمد توازنها الهش على التكامل بين المياه السطحية (واد زيز وغريس) والمياه الجوفية.
التشخيص الهيدرو-مورفولوجي لملوية الوسطى، كبؤر للتعرية النشطة
في سياق التدهور البيئي بالمناطق الهشة، يقدم حوضا "اتلاغ" و"العابد" (الواقعين جنوب غرب تاوريرت ضمن ممر جرسيف-وجدة) نموذجاً لدينامية التعرية المائية المتسارعة (مواديلي، 2021؛ Mouadili & Sbai, 2025). يمتد الحوضان على مساحة مشتركة تفوق 1400 كلم²، ويشكلان حلقة وصل بين الهضاب العليا جنوباً وسهل تفراطة شمالاً. حيث أبانت الدراسات الميدانية والنمذجة الرقمية، والقياسات المباشرة وضعية مقلقة لهذه المنطقة (مواديلي واسباعي، 2022؛ Sbai & Mouadili, 2024):
- حجم فقدان التربة: يسجل حوض "اتلاغ" متوسط فقدان للتربة يقدر بـ 37.64 طن/هكتار/سنة، بينما يسجل حوض "العابد" حوالي 32.23 طن/هكتار/سنة. وتشير النتائج إلى أن المناطق ذات "التعرية القوية جداً" (أكثر من 100 طن/هكتار/سنة) تغطي مساحات مهمة، وتساهم بالنصيب الأكبر من الرواسب المقتلعة.
- أشكال التدهور: تتنوع مظاهر التعرية بين السيلان الغشائي (المنتشر) الذي يجرف الخصوبة السطحية للأراضي الزراعية، والتعرية المركزة المتمثلة في التخديد المعمم أو ما يعرف بـ "الأساحل" (Badlands). وقد أظهرت القياسات الطبوغرافية الدقيقة بمواقع مختارة (مثل "واد القطارة" و"سهب الغزال") أرقاماً مهولة للتعرية الموضعية، حيث يفقد موقع "سهب الفيضة" مثلاً ما يصل إلى 2041 طن/هكتار/سنة، مع سرعة تراجع للضفاف وتعمق للخدات تصل إلى عدة أمتار سنوياً.
- العوامل المفسرة: يعزى هذا الوضع إلى هشاشة التكوينات الجيولوجية (رواسب الزمنين الثالث والرابع)، وعنف التساقطات المطرية، مضافاً إليها العامل البشري المتمثل في الرعي الجائر، واجتثاث نبات الحلفاء، والحرث في اتجاه الانحدار، مما حول هذه الأحواض إلى مصادر رئيسية للمواد الصلبة التي تتجه نحو السافلة.
توحل السدود وتأثيرها على دينامية الساحل (السعيدية – بني انصار)
تترابط الدينامية القارية (بالأحواض العليا) مع الدينامية الساحلية في علاقة جدلية معقدة محورها "الرواسب".
- توحل السدود: إن الكميات الهائلة من التربة المقتلعة من الاحواض الفرعية لملوية الوسطى والعليا، تنقلها السيول لتستقر في حقينة السدود (محمد الخامس ومشرع حمادي). تشير التقديرات إلى أن المغرب يفقد سنوياً حوالي 75 مليون متر مكعب من الطاقة الاستيعابية للسدود بسبب التوحل. وهذا لا يقلص فقط من القدرة التخزينية للمياه، بل يقطع "الإمداد الرسوبي" الطبيعي الذي كان يغذي السواحل والشواطئ.
- تآكل الساحل وتراجع خط الشاطئ: أدى حجز الرواسب خلف السدود إلى حدوث "عجز رسوبي" حاد عند مصب ملوية والشريط الساحلي الممتد بين السعيدية وبني انصار. حيث أكدت دراسات التتبع بنظام التموضع الأرضي (GPS) أن خط الساحل عند مصب ملوية يعرف تراجعاً مزمناً (وصل في بعض المقاطع إلى -7 أمتار/سنة)، وفي منطقة السعيدية، تفاقم الوضع بسبب التدخلات البشرية (بناء الميناء الترفيهي "مارينا"، والتوسع العمراني على حساب الكثبان الرملية)، مما أخل بالتوازن الدينامي للشاطئ (Sbai & Mouadili, 2023a, 2023b). وبين مارشيكا وأركمان، تم رصد تراجع للكثبان الرملية بمعدل يقارب -6 أمتار/سنة، مما ينذر بمخاطر الغمر البحري وتهديد المنظومات البيئية والبنية التحتية السياحية.
![]() |
| تخديد معمم ومركز حديث، مع بروز "أعقاب" قرب كلمة سيدي شافي |
![]() |
| بقايا تشكيلات نباتية بأقدام جبال سيدي بلقاسم |
![]() |
| طريقة اشتغال الرصد المتحرك اللحظي |
خلاصة
إن الوضع البيئي بالمغرب الشرقي يمثل منظومة مترابطة؛ بين الموارد المائية والتعرية وتدهور التربة، تُسرّع قلة الغطاء النباتي انجراف الطبقة السطحية، وتُنقل الرسوبيات إلى المجاري ثم السدود، فتفاقم التوحل، وهذا يحرم السافلة (الساحل) من تموين الرسوبيات اللازمة لتوازنه، مما يعرضه للنحت والتراجع.
يستدعي هذا الوضع مقاربة مندمجة "من العالية إلى الساحل" تعتمد على التهيئة في العالية لتقليص الانجراف في المنبع (سفوح عارية، شعاب تخديد، ضفاف أودية) بهدف إطالة عمر منشآت التخزين، وتقليل كلفة “الحلول التعويضية” مثل التعلية المتكررة أو التجريف المكلف، مع تدبير عقلاني للمجال الساحلي.
المراجع
- مواديلي، عمر. (2021). التعرية المائية والدينامية البيئية في حوضي وادي أتلاغ ووادي العابد (تاوريرت، المغرب الشرقي): مقاربات جيوماتية [أطروحة دكتوراه، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة]. Figshare. https://doi.org/10.6084/m9.figshare.19999970
- مواديلي، عمر، واسباعي، عبد القادر. (2022). أشكال التعرية المائية وآثارها على الدينامية البيئية: حالات من المغرب الشمالي الشرقي. مجلة العلوم وآفاق المعارف، 2(1)، 136–166. https://doi.org/10.34118/jskp.v2i01.2112
- Mouadili, O., & Sbai, A. (2025). The role of GIS and remote sensing in tracking vegetation cover in the Tlagh and El-Abed basins (Northeastern Morocco) from 1986 to 2018. E3S Web of Conferences, 607, Article 04020. https://doi.org/10.1051/e3sconf/202560704020
- Sbai, A., & Mouadili, O. (2023a). Apport du GPS dans l'étude de la dynamique des dunes : exemples au Maroc oriental. Physio-Géo, 19, 113–131. https://doi.org/10.4000/physio-geo.15944
- Sbai, A., & Mouadili, O. (2023b). Using the GPS station to study wind and coastal morpho-dynamics in north-eastern Morocco. Journal of Geographical Research, 6(1), 28–38. https://doi.org/10.30564/jgr.v6i1.5270
- Sbai, A., & Mouadili, O. (2024). Apport d’images issues de drone pour l’étude du ravinement dans le bassin d’oued El Abed (nord-est du Maroc). Géomorphologie: Relief, Processus, Environnement, 30(1), 49–65. https://doi.org/10.4000/127ir



